حسن بن موسى القادري
24
شرح حكم الشيخ الأكبر
ستين ، وأمّا كون الإنسان الكامل مستحقا لهذا العدد من النظر ؛ فلأن طينة آدم عليه السلام كانت في التخمير أربعين ألف سنة ، وهذا المبلغ ثلاثمائة وستين ( أربعينيات ) ، وبكلّ أربعين استحق نظرا من اللّه تعالى ، فلما كملت الأربعينيات استحق النظرات المذكورة بكمالها ، ولهذا صار قلب الإنسان وسع الربّ دون غيره وصار خزانة للأمانة الإلهية . كما قال اللّه تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [ الأحزاب : 72 ] ، ويدل على السمو وهو العلو والسيما والسما ، والكل في الحقيقة أوصاف الحق وفيها الدلالة على عالم السماوات ، وهو عالم الغيب الذي هو جزء من مطلق العالم ، وكذا صار في المرتبة الثانية من هذه الكلمة حيث وقعت بعد الباء ؛ لأن الباء ظهر بها كل شيء من الروحانية ، والجسمانية والعلوية والسفلية ، والسفلية ظهرت من العلوية ؛ لأنها كالروح للسفلية وكذا كلّ عال بالنسبة إلى سافله فتأمل . وأمّا ( الميم ) فلها الاتّصال ؛ لأنه كالباء والسين ، فالباء والميم اتصلت بهما الشفتان بعد افتراقهما على ما هو شأن المحبين إذا اجتمعا ، ولها وصلة بالنون إذا تعانقتا وامتزجتا ، كما هو شأن الواصلين كما في : عَمَّ يَتَساءَلُونَ [ النبأ : 1 ] امتزجت النون بالميم على طريق الإدغام فلا تعدد ؛ إذ لا يشاهد إلا الميم فلا يبقى السائل ولا المسؤول وهو المقام الذي قيل فيه : أنا من أهوى ومن أهوى أنا . وفي هذا المقام قال سيد الطائفتين الجامع للنورين الشيخ الكامل الجنيد البغدادي قدّس سرّه : وغنّى لي من قلبي * وغنيت كما غنّى وكنّا حيث ما كانوا * وكانوا حيث ما كنّا وفي هذا المقام قيل : أنّا الحق « 1 » ، وفيه قال اللّه تعالى :
--> ( 1 ) تنبيه : يقول الشيخ الشرقاوي أثناء كلامه على المتصوفة وأنواعهم : وفرقة أخرى لم يلتفتوا إلى ما يفاض عليهم من الأنوار في الطريق ، ولا إلى ما تيسره لهم من العطايا الجزيلة ، ولم يعرجوا على الفرح بها جادين في المسير ، حتى تأربوا فوصلوا إلى حد القربة إلى اللّه تعالى فظنوا أنهم وصلوا وغلطوا ، فإن للّه -